"مات الولد مات" الصرخة المستمرة

بالعربي- كتبت- رولا حسنين:

"كل ما في الأرض من لغة لا تعزي فاقداً عما فقد" ولكني سأكتب بلغة الفقد، لأن الفقد لم يتوقف، ولأن الفقد مستمر، ولأن الفقد أضحى تاريخاً نحياه ونكتبه، لأن الفقد أضحى نكبة قلوبنا اليومية.

قبل 17 عاماً، صرخ الأب جمال "مات الولد مات" ولم يكن يعلم أن هذه الصرخة ستصبح أيقونة  فلسطينية، وتاريخ شفوي لمجزرة ارتكبها الاحتلال بحق الطفولة الفلسطينية، مجزرة وثقتها كاميرات الصحفيين، وصرخة لم يسكتها صوت الرصاص الذي كان يعلو في المكان، إنما كان صوت الفقد أعلى، لتظل الصرخة شاهدة على ما نحياه من فقد مستمر.

يوم الجمعة، ثاني أيام انتفاضة الأقصى، بالتحديد في ثلاثين أيلول سبتمبر عام 2000، ارتكب جيش الاحتلال ما يجب ادراجه على قائمة الارهاب العالمي، اذ قتل الطفولة في حضن أبيها، أزهق الروح البريئة بلا تردد، أطلق وابلاً من الرصاص على عُزّل اختبئوا من رصاص الحقد ولم ينفع معهم التنحي جانباً، فأضحوا حدثاً موثقاً بمشهد لا يمكن لقلب انسان اذا رآه الا أن يبكي كأقل تعبير عن مشاعر الانسانية التي ستعتريه وهو يشاهد القتل المصوّر والموت البطيء، الانسانية الغائبة عن كل جندي في جيش الاحتلال، في هذا اليوم.. محمد الدرة شهيداً، والصرخة ما زالت مستمرة في أذهاننا وواقعنا "مات الولد مات"، في هذا التاريخ أطلق جنود الاحتلال رصاصهم اللعين تجاه الطفل الشهيد محمد الدرة والذي كان بعمر الحادية عشر ربيعاً فقط، ووالده جمال اللذان كانا قد خرجا من منزلهما في مخيم البريج بقطاع غزة، ولا يدركان أن خروجهما هذا سيكون الأخير بلا عودة لمحمد، وبعودة الفقد لأبيه.

أطلق جنود الاحتلال الرصاص تجاه محمد وهو جالس قرب أبيه، محتمياً به، أوليس الأمان هو الأب، ولكن الأمان في وطننا ضائع لا يمثله شيء، أباك يا محمد كان جريحاً برصاصهم قبل ان تُصاب أنت به، شعر بألمكّ عندما أُصبتَ لذلك صرخ مدافعاً عنك، أباك يا محمد حاول بكل ما فيه من قوة أن يُبقيك حيّاً، فلو أنهم خيّروه ما بين قتلك أو قتله، متأكدة أنه سيختار قتله ألف مرّة على أن يمسّك وخز رصاصهم، أو يحيا فقدك ثانية من عمره، ولكن عبثاً يا محمد.. فلسطين بعد أباك صرخت كثيراً "مات الولد مات"، إنه الاحتلال الغاشم يا محمد الذي أصرّ على أن يطبع في أذهاننا مشهداً قاسياً، مشهد قتلك أمام الاعلام كي لا ننسى، وكيف بربك ننسى، ومشهد قتلك يتكرر كل يوم عندما يمعنون في قتل الأطفال والنساء والشباب والشيوخ بلا تردد كما قتلوك أنت، وكل يوم نسمع صرخة كصرخة أبيك ولكن ما من مجيب.

الصرخة التي عمرها 17 عاماً، صرخة ذكرى محمد الدرة، مستمرة وستظل مستمرة ما دام الاحتلال جاثماً على أرض فلسطين، كسرطان لا ينفكّ عن جسد إنسان حتى يقتله، كسرطان يجعل الجسد كله يصرخ ألماً باستمرار، كسرطان خبيث يضرب الأعماق وينخرها فتكاً حتى الموت، كسرطان لا يسمع صوت الصرخة ولا يرحم.

كم من محمد الدرة فقدنا منذ عمر الصرخة، وكم من صرخة أطلقتها أمهات الشهداء وعوائلهم، كم من موت عايشناه كل يوم ونحن ما زلنا نردد "مات الولد مات" ولن نكفّ عن ترديدها، لذلك لا ذكرى لكَ يا محمد، فكل الذكرى للصرخة المستمرة، وأنتَ بذاتك تاريخها وأيقونتها وعنوانها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية