حقارة رأس المال و "بياعة الدخان"

بالعربي- كتب- ناصيف معلم:

شركة رأسمالية في رام الله (سأعلن عن اسمها لاحقا) ترهق الخريجين الجدد بالامتحانات وفحوصات الذكاء وبالمقابلات باللغتين العربية والانجليزية للعمل بائعي-بائعات دخان في رام اللة!.

بعد ان تخرجت ابنتي "كلارا" من جامعة بيت لحم في ايار الماضي "ادارة اعمال وتسويق" بدأت بالبحث عن عمل، حيث قدمت مئات الطلبات للمؤسسات العامة والاهلية والحكومية الفلسطينية والاجنبية، حيث عشرات الالاف الذين يتقدمون في طلباتهم طلبا للعمل لان البطالة والفقر سيد الموقف في بلدنا فلسطين، بالرغم من ان البطالة ليس خيارهم، بل لانه من صناعة الاحتلال وراس المال الفلسطيني.

وبعد ان تدربت هنا وهناك تم الاتصال بها من قبل شركة فلسطينية، حيث تم دعوتها لاجراء المقابلة، ذهبت ابنتي في الوقت المحدد، وانتظرت ثم انتظرت حتى جاء دورها، فكان هناك العشرات بانتظار دورهم للمقابلة. واخيرا دخلت الى غرفة المقابلات فتفاجئت بان عليها اولا ان تتقدم لامتحان الذكاء والذي استمر لمدة ساعة، طبيعي الاسئلة لقياس الذكاء في القضايا العلمية والحسابات والاشكال وغيرها، طبعا اكتشفنا بعد لك من خلال البحث على الانترنت بان امتحان الذكاء مسروق من احد المواقع الالكترونية.

بعد الامتحان خرجت ممثلة المؤسسة امام جماهير الشباب المتقدمين للامتحان لتعلن عن نتائج الامتحان، فلان ساقط... فلانه ساقطة... فلان ساقط... فلانة ساقطة...الخ، واخيرا جاء دور ابنتي كلارا، وبصوت عال قالت" "كلارا معلم" مبرووووك، انت ناجحة" . رجعت كلارا للبيت مبسوطة تشعر بالفرح والسعادة، وبدأت تخطط كيف ستساعدني في مصروف البيت، وكيف ستساعد اخوانها، وكيف ستحوش المال لعمل رخصة السياقة. المهم سألتها عن الوظيفة، الا انها لم تعلم، المهم ان الشركة التي ساعلن عن اسمها لاحقا طلبت تخصص ادارة الاعمال والتسويق واللغة الانجليزية، ولم تعلن عن نوعية الوظيفة، ونحن في البيت ننتظر تلفون الشركة لاعلامنا عن موعد العمل، وخلال هذه الفترة والتي مدتها اسبوعان كنا نقضي كل يوم نتحدث ونتوقع عن الوظيفة، توقعنا ان تكون مساعدة ادارية، نائبة مدير، سكرتيرة، محاسبة، مسؤولة علاقات عامة، مسؤولة الاعلام الاجتماعي، منسقة اعمال....... ووصل بنا الامر لنتوقع ان تكون مديرة.

المهم وبعد اسبوعان اتصلت بنا الشركة، الا انهم طالبوا كلارا بالمراجعة لاجراء مقابلة في الخامسة والنصف، سألنا انفسنا: هل هي مقابلة ام سيخبروها متى ستبدأ العمل؟ هل هي مقابلة ثانية ام هي مقابلة لتوقيع عقد العمل. المهم ذهبت كلارا قبل الوقت وانتظرت كما انتظرت في المرة الاولى، واخيرا دخلت على المقابلة، ووجدت اربع مسؤولين لاجراء المقابلة، وبدأت الاسئلة تتهاوى من هنا ومن هناك: احكي عن حالك بالانجليزي.. شو هي هواياتك... بماذا تفكرين سبب اختيارنا لك؟ ما الذي فعلتية في مؤسسة "انجاز" للشرح عن المنتج. ما هي خبراتك السابقة؟ وما هي خبراتك الحالية؟ احكي عن تخصصك؟....... عشرات الاسئلة سؤال وراء سؤال.

وبعد المقابلة التي استمرت اكثر من نصف ساعة، قالوا لها انت ممتازة، عليك تقديم وتعبئة الطلب للعمل، اعطوها دوسية بها اسئلة شخصية وخاصة عن اسمها وشهاداتها وتخصصها، اما القسم الثاني من الدوسية فكان عبارة عن اسئلة علمية حول مجموعة من المواقف خلال العمل مع فريق، ومن ثم اسئلة حول انجازاتها في حياتها، او عن فشلها، يعني اسئلة امتحان. المهم قامت كلارا بالاجابة عن كافة الاسئلة خلال اقل من ساعه، فبالرغم من انها اجابت عن الاسئلة بشكل ممتاز، واجابت ايضا بشكل ممتاز خلال المقابلة، الا انها لم تكن مرتاحة خاصة عندما طلبوا منها ان تتحدث باللغة الانجليزية واكتشفت بانهم لا يعرفون الانجليزية.

المهم ومن الاخر طلبوها لاخر مرة وسألوها السؤال التافه الاتي: "لماذا تعتقدين باننا سنوظفك في شركتنا شركة؟؟؟؟ ؟ فاجابت كلارا بسؤال: علي اولا ان اعرف ما هي الوظيفة اولا؟ واخيرا اجابوا السادة ممثلي الشركة التي يعتبرها البعض شركة محترمة، قالوا لها: "نريدك ان تبيعي دخان للمؤسسات المحترمة"، حيث ستجلسين مع مدراء محترمين وممثلي المجتمع، ومع علية القوم، ومع الناس الكبارية. اجابت كلارا: "يعني بدكم اياني استغل بياعة دخان!!! اجابوها: نعم، وسنعطيك 3 شهور فترة تجريبية وسنقوم بتقييمك ونأمل ان يكون تقييمك جيدا لتوقيع عقد عمل معك.

نظرت اليهم كلارا بنظرة ازدراء ... تذكرت ماذا يعني مافيا رأس المال.. تذكرت هؤلاء الذين يشاركون الاحتلال في التسبب في معاناة شعبنا، وقالت لهم: "كل هذه المقابلات والامتحانات وفحوصات الذكاء عشان اشتغل بياعة دخان؟؟!! لماذا لم تعلموني والالاف المساكين من غيري الذي جاءوا من كل المحافظات، والذين حصلوا على اجرة الطريق بالدين، وفي الاخر تقولون "اعملوا بياعين دخان؟؟!!.

بصراحة هذه هي حقارة راس المال الفلسطيني، وهنا انا اتحدث عن الشركات الكمبرادورية ولا اتحدث عن رؤوس الاموال الوطنية الذين وقفوا معنا في السراء والدراء، بل اتحدث عن رؤوس الاموال التي تشارك الاحتلال بهدم اقتصادنا وتهجير شبابنا من الوطن، اتحدث عن هذه الشركة واخواتها التي وصل بهم الامر الى هذا المستوى من الحقارة لانهم يعلمون بانه لا سلطة ولا قانون في البلد لانهم يرشون اكبر زعيم، لذلك يقومون بهذه التصرفات البذيئة التي حقيقة لم تقوم بها دولة الاحتلال الحقيرة. 

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية