تحرير الموصل

بالعربي- كتبت ثريا عاصي:

كان محيّراً أمر هذا الرجل الذي ألقى خطبة واحدة في الموصل بايع فيها نفسه خليفة وأعلن أن «دولة الخلافة» ستشمل دنيا الإسلام، ثم توقف عن الكلام، وتوارى عن الأنظار ! صار «الداعشيون» يتواصلون بعد تلك الخطبة بالصور السينمائية، تارة يعرضون أرتال سيارات «التيوتا» المسلحة بالرشاشات والمزينة بالرايات السوداء الموسومة بالشهادتين، بخط عربي بدائي، رديء، وتارة أخرى يـُظهرون سيافاً أو ذباحاً يقطع رأس رجل أمام جمهور من ناس، طلب منهم في ظاهر الأمر التكبير ! بالإضافة إلى ذلك وقعت عمليات إرهابية شنيعة، في مدن المشرق وفي مدن أوروبية أيضاً ترافقت دون إبطاء مع  بيانات باسم «داعش» تناقلتها وسائل الإعلام كما كانت قناة الجزيرة القطرية تبث بيانات وخطب بن لادن . التجربة طويلة وغنية !

قالوا لنا أن «داعش» قوية وإنها تملك جيشاً عرمرماً، وطائرات ودبابات ومدافع ثقيلة، رغم أن دول المنطقة جميعاً يعتبرونها تنظيماً إرهابياً، ولهذا السبب إنضموا إلى «التحالف الدولي ضد الإرهاب» الذي تقوده الولايات المتحدة من أجل محاربة «داعــش» و«جبــهة النصرة» ـ القاعدة . كون الولايات المتحدة الأميــركية وحلفاءها الأوروبيين وضعوا «داعش» و«جبهة النصرة» في خانة التنظيمات الإرهابية. يحسن القول هنا، ان «داعش» ظلت تبيع النفط في السوق التركي وان هناك ألف دليل على أن «جبهة النصرة» ـ «القاعدة» تحظى بالدعم والتأييد من دول أوروبية وخليجية عبر الأراضي التركية! والأردنية وعبر الأراضي السورية التي يحتلها المستعمرون "الإسرائيليون" .

من المرجح أن غالبية الناس كانت تشعر بالإلتباس والغموض اللذين يكتنفان  مسألة العلاقة التي تربط «داعش» و«جبهة النصرة» من جهة والولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الأوروبيين، بالإضافة إلى حكومة أردوغان في تركيا، ومشيخات الخليج من جهة ثانية. إذ كان ذلك واضحاً عِياناً من القصف الجوي الذي كانت تتعرض له القوات السورية عندما تصطدم بـ «داعش»، ناهيك عن الأخبار الذي كانت تفيد عن إنزال، سلاح وذخائر فوق مواقع داعش «عن طريق الخطأ».

مهما يكن فإن تحرير الموصل يضعنا حيال وضع مدهش إلى حد الذهول . لا أجازف في القول أن هذا التحرير تم بموافقة الولايات المتحدة الأميركية وأعتقد في هذا السياق، ان الأخيرة مارست رقابة على القوات العراقية المشاركة في التحرير وربما تكون ميزت بين فرق هذه القوات على أساس مذهبي . أكتفي بهذا الإستطراد في هذا الموضوع   لأطرح السؤال عن «داعش» إذ يبدو أنها لم تكن في الموصل، فلو كانت «داعش» موجودة في المدينة لرأينا آثار إحتلال «داعش» وهزيمتها . لم نر شيئاً من هذا، أسرى، أسلحة، دشم عسكرية، آليات عسكرية، جثث ! كأن داعش لم تكن في الموصل ! لم نر السكان أيضاً، اللاجئين. لم يتكلم سكان الموصل. أين المنظمات الإنسانية غير الحكومية، أطباء بلا حدود الذين كان حضورهم مسموعاً في مدينة حلب. أين القبعات البيض؟ لعل مرد ذلك إلى كون العمل مع جبهة النصرة ـ القاعدة ممكناً بالضد من العمل حيث تسيطر داعش؟ هذا ما سيقوله البعض !

إستناداً إلى هذا كله يحق لنا أن نسأل عن فرقاء الحرب التي شهدتها المدينة العراقية الموصل، وتحديداً حرب التحرير التي دامت كما قيل ثمانية أشهر، حيث دمرت أثناءها بحسب الأخبار الجسور الخمسة التي تصل بين ضفتي نهر دجلة، ولم تدمر هذه الجسور قبل ذلك، رغم أن الحرب «بين التحالف الغربي» وبين «داعش» كانت معلنة منذ 2014، فضلاً عن الدمار الهائل الذي شمل كما تقول وسائل الإعلام جميع إرجاء المدينة؟ المدينة لمن يحررها!

هذه أسئلة لا نملك إجابات عليها، ولكن أغلب الظن أن الجهات المعنية تعرف هذه الإجابات ولكنها لا تجرؤ على الكشف عنها، أو أنها لا تريد الكشف عنها، إعتقاداً منها بأن ذلك لن يغير شيئاً كون الإصطفاف الطائفي والمذهبي صار إجبارياً ومن المحتمل أن يكون نهائياً أيضاً. مهما يكن فلا منأى في ختام هذا الفصل عن القول بأني أميل حتى إثبات العكس إلى إعتبار ما جرى في مدينة الموصل العراقية فضــيحة كبيرة وجريمة ضد الإنسانية ! لا أعتقد أن المدينة، أو البلاد التي «تحررها» الولايات المتحدة الأميركية،  هي حرة، خصوصاً في منطقة تذخر أرضها بمخزون من النفط والغاز!

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية