فضيحة اللوبي الصهيوني في بريطانيا تنفجر بوجه "إسرائيل"

بالعربي: تسلط الفضيحة الجديدة للسفارة "الإسرائيلية" في لندن، التي تعرض تفاصيلها، اليوم الأربعاء، قناة الجزيرة الإنكليزية، في تحقيق استقصائي بعنوان "اللوبي"، المزيد من الضوء على نشاط الاستخبارات الصهيونية وجماعات الضغط التي تعمل لمصلحة "تل أبيب"، في دوائر السياسة واتخاذ القرار في لندن. موضوع ظل لعقود طويلة من الزمن، لغزاً لا يعلم عنه إلا العاملون في كواليسه.

وعلى خلاف اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، الذي كشفت دراسات كثيرة عن أسراره وآليات عمله وطبيعة منظماته، ظل اللوبي الصهيوني في بريطانيا عالماً مجهولاً، وصندوقاً مغلقاً لم يتجرأ أحد على سبر أغواره.

وقد اهتمت صحف بريطانية بارزة منذ يوم الأحد الماضي، بشكل لافت، بتفاصيل تسجيلات سرية تُظهر تورط دبلوماسي "إسرائيلي" في محاولات إسقاط سياسيين بريطانيين لصالح اللوبي الصهيوني.

وتمكن صحافيو شبكة "الجزيرة الانكليزية" من الإيقاع بالدبلوماسي في سفارة "تل أبيب" في لندن، شاي ماسوت، وأخذ تسجيلات مصورة له لمدة ستة أشهر، كشف من خلالها عن سعيه لإسقاط سياسيين بريطانيين لصالح "إسرائيل".

وتظهر التسجيلات، التي حصلت صحف ومواقع بريطانية على جزء منها، تخطيط الدبلوماسي "الإسرائيلي"، مع مساعدة الوزير البريطاني المحافظ، روبرت هالفون، للإطاحة بزميلها في الحزب، وزير الدولة للشؤون الخارجية، آلان دانكن، المعروف بانتقاده الدائم لبناء المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية.

وحسب ما نشرته الصحف البريطانية، ووصفته بـ"القنبلة"، يظهر البرنامج الاستقصائي الذي تبثه "الجزيرة"، اليوم، ماسوت، الذي تم تصويره سراً وهو يتحدث عن رغبته في "الإطاحة" بدانكن.

وقال الدبلوماسي "الإسرائيلي" إن" موقف دانكن المعارض للاستيطان، يطرح "الكثير من المشاكل"، وفق تعبيره.

كما وصف وزير الخارجية البريطاني الحالي، بوريس جونسون، بأنه "أبله". وفي لقاء آخر جمع في أحد مطاعم لندن الصحافي مع موظف السفارة، صرح الأخير بأن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني، السير كريسبين بلانت، "على قائمة المستهدفين"، بسبب آرائه التي تعدّ "منحازة بشدة لصالح العرب بدلاً من أن تكون منحازة لصالح" إسرائيل".

اللوبي الصهيوني في بريطانيا

وكان السبق في منتصف التسعينيات من القرن الماضي لقناة التلفزيون البريطانية الرابعة، عندما بثت برنامجاً استقصائياً بعنوان: "داخل اللوبي "الإسرائيلي" في بريطانيا". وترجع البدايات الأولى لِتَشَكُّله إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، عندما اتّحدت "الفيدرالية الصهيونية" و"المجلس اليهودي البريطاني" معاً، وأسسا أول منظمة علاقات عامة بريطانية داعمة "لإسرائيل"، عرفت باسم "اللجنة البريطانية "الإسرائيلية" للشؤون العامة". وقد أُسّسَتْ هذه اللجنة في البداية كشركة علاقات عامة خاصة تقوم بتنظيم أنشطة وفعاليات وحملات مؤيدة ل"إسرائيل"، وممولة بشكل أساسي من نائب رئيس مجموعة "ماركس آند سبنسر"، رئيس "النداء اليهودي "الإسرائيلي" الموحد"، مايكل زاخر.

ويبدو أن تأسيس هذه اللجنة جاء لمواجهة الحركة المناصرة للشعب الفلسطيني، التي بدأت بالظهور في الأوساط البريطانية، لا سيما في الجامعات والنقابات. ومثال على الأنشطة التي كانت تمارسها اللجنة، ما قام به رئيس الفيدرالية الصهيونية، إيريك مونمان، الذي أصبح لاحقاً نائباً في البرلمان عن حزب العمال البريطاني، عندما قدّم في نوفمبر/ تشرين الثاني 1977 مذكرة للنقاش في البرلمان، موضوعها "التحيز العنصري في الجامعات" البريطانية. واشتكى فيها من تنامي "العنصرية ضد إسرائيل" في الأوساط الطلابية في الجامعات البريطانية. وسبق ذلك اعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 3379، في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، الذي أقر بـ"أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".

وتكثف نشاط المنظمات الصهيونية في بريطانيا خلال وبعد الغزو "الإسرائيلي" للبنان عام 1982. وتأسس المركز "الإسرائيلي" – البريطاني للشؤون العامة (BIPAC) عام 1983. وتولى المركز أساساً مهمة تنظيم رحلات للصحافيين الأجانب و"صُنّاع الرأي" إلى "إسرائيل"، واستضافة المحللين والسياسيين والخبراء "الإسرائيليين" في لندن، للالتقاء بوسائل الإعلام ورجال السياسة والأمن والدبلوماسيين. كما عملت المنظمة، بشكل مكثف، على توطيد العلاقات بين مراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية والجامعات البريطانية ونظيرتها في "إسرائيل".

منظمات اللوبي الصهيوني

تعمل منظمات اللوبي الصهيوني في بريطانيا، وأبرزها "الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وإيرلندا"، و"المركز البريطاني "الإسرائيلي" للاتصال والأبحاث – بايكوم"، وحملة "نحن نؤمن بـ"إسرائيل"، و"مجلس القيادة اليهودي"، وصحيفة "الوقائع اليهودية" الأسبوعية، وحملة "قف معنا"، و"التحالف الإسرائيلي – البريطاني ولجنة الشؤون العامة"، و"أصدقاء "إسرائيل" المسيحيون في المملكة المتحدة"، ومجموعات أصدقاء "إسرائيل "في الأحزاب البريطانية، على تقديم صورة "إسرائيل "المتميزة" للعالم.

وتقوم في إطار سياسة ترويجية، بتعميم "قصة إنجازات إسرائيل" والتحديات المستمرة التي تواجهها في حربها على التطرف والإرهاب.

وفي مواجهة حملة المقاطعة العالمية لـ"اسرائيل"، أطلقت المنظمات الصهيونية في بريطانيا منذ عام 2009 حملات مناهضة للمقاطعة.

تحاول من خلال الحملة التأثير على الصحافيين والسياسيين، وتناشد الحكومات الغربية إصدار تشريعات تجرم المقاطعة المعادية "لإسرائيل"، وتعمل على إعادة صياغة صورة "إسرائيل" عبر رسائل دعائية تقدم "إسرائيل" على أنها "دولة محبة للحياة، وفيها مجتمع منفتح ومتسامح من المبتكرين والموهوبين علمياً". وتصور المنظمات الصهيونية حركة المقاطعة الدولية "بي دي أس" بوصفها "حركة معادية للسامية، تهدف إلى القضاء على دولة إسرائيل، وتستهدف اليهود في كل العالم، وليس لإنهاء الاحتلال من الضفة الغربية ومساعدة الفلسطينيين على إقامة دولة خاصة بهم".

الترهيب والترغيب

وعندما تفشل الأساليب والأدوات التقليدية للدعاية الصهيونية الحديثة، المعروفة باسم "هاسابرا"، في كبح موجات التعاطف الشعبي والإعلامي البريطاني مع الشعب الفلسطيني ومطالبه، أو وقف سيل الاستنكار لـ"إسرائيل" وعدوانها الشرس على الشعب الفلسطيني، واستمرارها في سياسات الاستيطان والتهويد والمراوغة السياسية، تلجأ السفارة "الإسرائيلية" والمنظمات الصهيونية في لندن إلى أساليب الترغيب والترهيب في بناء العلاقات المباشرة مع الشخصيات المؤثرة. وفي إطار أساليب الترغيب، أو "الأساليب الناعمة"، تهتم منظمات اللوبي الصهيوني في بريطانيا، بتنظيم أو تمويل رحلات وزيارات للصحافيين وصناع القرار والنواب البريطانيين إلى "إسرائيل".

كما تقدم التبرعات والهبات للأحزاب السياسية ومرشحيها للانتخابات العامة، وللنواب من مختلف الأحزاب السياسية. وتقوم منظمات اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل" بتنظيم نشاطات وبرامج "ترغيبية" خاصة بالناشطين السياسيين الشباب المرشحين للانتخابات المحلية والبرلمانية في ما يشبه عملية "دعم وتأهيل" لضمان استمالتهم لصالح المعسكر المؤيد لـ"إسرائيل". إلى جانب ذلك، تنشط المنظمات الصهيونية في ربط الصلات الشخصية مع رجال الإعلام، ومدّهم بالمواد الصحافية والتقارير، التي يمكن استخدامها في ما يكتبون.

ولا تكتفي منظمات اللوبي الصهيوني الناشطة في بريطانيا بأساليب "الترغيب" أو "التعبئة" كنهج لاستمالة قادة الرأي العام، بل إنها لا تتورع عن اللجوء إلى أساليب "الترهيب"، التي تراوح ما بين تشويه السمعة إلى "الاغتيال المعنوي"، مروراً بكل أشكال الضغط المادي والنفسي. وهذا الأسلوب يستهدف الجماعات والأحزاب والأفراد الذين تصدر عنهم مواقف أو تصرفات غير مؤيدة "لإسرائيل" أو تنتقدها أو حتى تعبر صراحة عن تأييد الشعب الفلسطيني. وتعمل مجموعات الضغط المؤيدة "لإسرائيل" على تشويه سمعة الناشطين (اليهود وغير اليهود) الذين ينتقدون "إسرائيل".

وفي كتابهما "أخبار سيئة من إسرائيل"، كشف المؤلفان: غريغ فيلو، ومايك بيري، عن حجم الضغوط التي تتعرض لها مؤسسة "بي بي سي" من اللوبي الصهيوني ومن السفارة الإسرائيلية في لندن، عندما نقلا عن أحد المحررين في قسم أخبار الشرق الأوسط قوله: "جميعنا نخشى اتصالاً هاتفياً من السفارة الإسرائيلية". أما الصحافي البريطاني، الذي عمل لسنوات كمراسل مستقل للشؤون "الإسرائيلية" - الفلسطينية من مدينة الناصرة، جوناثان كوك، فيقول: "منذ بداية الاحتلال في عام 1967، تكررت الحالات التي تم فيها منع نشر أية مواد تشير إلى أن إسرائيل تمارس نظاماً من الفصل العنصري في الأراضي المحتلة، ناهيك عن داخل إسرائيل".

تغلغل مُستنكر

وأثار الكشف عن فضيحة الدبلوماسي "الإسرائيلي" غضب أوساط سياسية واسعة في بريطانيا ورد فعل سياسي مباشر. وقال عضو البرلمان، الوزير السابق من حزب المحافظين، السير ديزموند سوايني: "لا بد من التحقيق في هذا الأمر بشكل كامل وتفصيلي. ما لا يمكننا السماح به هو أن تتصرف "إسرائيل" داخل بريطانيا بالحصانة ذاتها من (عدم) المساءلة التي تتعامل بها داخل فلسطين. لا ريب إطلاقاً في أن ما نراه هو تدخل سافر ومريب ومعيب في العملية السياسية لدولة أخرى". ونقلت صحيفة "ميل أون صاندي" البريطانية رد فعل وزير سابق على فضيحة اللوبي الصهيوني، قال فيه إن الوقت حان لإنهاء مشكلة شراء "إسرائيل" للسياسة البريطانية. وقال الوزير السابق، الذي طلب من الصحيفة عدم كشف هويته، إنه "بات جلياً أن بعض الناس في حزب المحافظين وفي حزب العمال يعملون مع السفارة الإسرائيلية، وهي بدورها تستخدمهم لشيطنة وتدمير أعضاء البرلمان الذين ينتقدون "إسرائيل". هناك جيش من المعتوهين في البرلمان في خدمة "إسرائيل".

وفي حديث سابق عن دور اللوبي الصهيوني المؤثر والفاعل في الحياة السياسية، وفي مراكز صنع القرار البريطانية، وقدرته على التغلغل في أوساط المجتمع البريطاني، بكل مكوناته السياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، وحتى مؤسسات العمل الخيري والاجتماعي، نقل الكاتب والإعلامي البريطاني، بيتر أوبرن، عن السفير البريطاني السابق في طهران والقنصل السابق في القدس، السير ريتشارد دالتون، قوله: "عندما كنتُ دبلوماسياً شاباً في السبعينيات من القرن الماضي، كانت بريطانيا قادرة على العمل بموجب ما تقتضيه مصالحها الوطنية. وخلال حياتي المهنية شهدتُ تغييراً يحدث في هذا (الوضع) بسبب تنامي نفوذ اللوبي المؤيد "لإسرائيل". وأضاف: "من الأمور المحبطة أنني، وزملائي، لسنا مؤيدين للفلسطينيين وللعرب، أو لـ "اسرائيل"، أو لأي شيء آخر. نحن نريد فقط ما هو أفضل لبريطانيا، ولكن اللوبي المؤيد "لإسرائيل" بات نشيطاً جداً في تقليص الخيارات، التي يمكن للسياسيين البريطانيين اتخاذها، ما لم تكن مقبولة من طرف اللوبي المؤيد لإسرائيل". وتابع: "لقد بات الدبلوماسيون يخشون، بشكل متزايد، من التعبير علناً عما يقولونه في المجالس الخاصة، وعندما كنتُ قنصلاً في القدس، كنتُ أشعر أن تصرفاتي في القدس محكومة بما يمليه اللوبي الصهيوني في بريطانيا".

يشار إلى أن الدبلوماسي "الإسرائيل"ي ظهر، في التسجيلات، وهو يقول إن لدى السفارة في لندن موازنة بمبلغ مليون جنيه إسترليني لدفع الأعضاء في حزب العمال البريطاني لزيارة "إسرائيل".

ويكشف الفيلم الوثائقي، الذي يحمل اسم "اللوبي"، عن سعي موظفي الاستخبارات بسفارة الاحتلال في لندن لتشويه سمعة نواب في البرلمان البريطاني تراهم دولة الاحتلال معادين لها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية