فلسطين الشتات.. وصدمة ترامب

بالعربي: احتفالات على وقع دماء الشعب الفلسطيني؛ فبينما كانت أميركا تمضي بفتح سفارتها في القدس المحتلة، كان الشهداء بالعشرات في قطاع غزة، أما المقدسيون فظلوا على حالهم متروكين وحدهم أمام صدمة شرعنة الرئيس دونالد ترامب سرقة الاحتلال لمدينتهم، عندما اعترف بها عاصمة لكيان الاحتلال، حيث يعايشون كل صنوف العنصرية والتهميش "الإسرائيليين" إلى جانب التهديد الدائم بسحب الهوية والاعتداء وصولاً إلى الاعتقال وهدم بيوت أهالي المناضلين، حتى باتت العائلة الفلسطينية مفتتة تعاني قهراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. في ما يأتي، الحلقة الثانية من ملف "فلسطين الشتات"...

كأنّه كان ينقص القدس اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بها عاصمة لدولة "اسرائيل" والشروع في نقل السفارة الأميركية إليها. بالتأكيد، جاء قرار ترامب أبعد من مجرد ما وعد به خلال حملته الانتخابية لناخبيه، مدعياً الجرأة التي لم يتمتع بها سواه من رؤساء أميركيين سابقين منذ العام 1995 وحتى وصوله إلى الإقامة في البيت الأبيض.

لكنّ "إسرائيل" ومنذ عقود تعمل من دون توقف على الوصول إلى نتيجة من هذا النوع، وقد فعلت ذلك عندما جعلت من القدس بقعة من الأرض مستقطعة لجموحها، ومستهدفة أكثر من سواها، نظراً لكثافة التاريخ في جغرافيتها الصغيرة، وضمن الطموح الصهيوني المعروف لإعادة بناء الهيكل فيها، هيكل سليمان، كاستمرار لتاريخ غائر في الزمن. من أجل هذا الغرض بذلت كلّ ما تستطيعه من سياسات وجهد ومال وقوة وجبروت لسلخها عن محيطها الفلسطيني الأوسع، وجعلت منها مجرد دائرة معزولة ومسيجة ومفصولة عن المدى الفلسطيني في الجنوب والشمال والشرق. كذلك، بذلت جهودها لعزلها عن العالمين الإسلامي والمسيحي، فلا مانع من استقطاب وفود دينية زائرة، بينما المسيحية والإسلام ورموزهما الروحية والمادية يترنحان تحت وقع الجرافات وخطط الضم والفرز والسيطرة وجملة مشاريع تغيير معالمها التاريخية.

تهويد ترامب

كان المقدسيون يرون بأم أعينهم ما يجري مما لم يسبق لهم أن عرفوه وعاشوه، ويرفعون الصوت ومعهم القوى والفعاليات الفلسطينية محذرين مما يرسم ويدبر للقدس والمسجد الأقصى والمعالم المسيحية والإسلامية في المدينة، ويناشدون المراجع العربية والدولية أن تقف إلى جانبهم، وتشد أزرهم بما تستطيع من مواقف ومقدرات. وكان مثل هذا الصوت لا يلقى آذاناً صاغية، وفي أحسن الأحوال يتلقى بيانات تضامن كلامية لا مردود أو نتائج ملموسة لها، من دون دعم أو مساندة حقيقية يحتاج إليها المقدسيون في هذا الوقت، بأشد مما سبق من أجل التشبث بأرضهم والدفاع عنها.

المقدسيون كانوا يرون مدينتهم تفلت من بين أصابعهم وهم يعاينون الزحف الصهيوني ينهش مبانيها وأحياءها وحاراتها القديمة، وكانت الدعوات متواصلة للجامعة العربية والعالم الإسلامي إلى لعب دورهم، والتنبه إلى ما يجري من تهويد يتسارع على قدم وساق وعن سابق تصور وتصميم يقابل بأجندات مختلفة. واصطدمت الدعوات إلى سياسات جدية بالرفض، والإصرار على الاستمرار في تسليم زمام الأمور للراعي الأميركي.

لم تكن فلسطين أو القدس ضمن البرامج اليومية والشهرية والفصلية والسنوية للحكام والسلطات. والأكثر مأساوية كان انشغال السلطتين الفلسطينيتين عما يجري في المدينة المهددة، بينما البلاد بطولها وعرضها تتبدد وتنتقل إلى أيدي الصهاينة. وعاشت القدس نزفاً مديداً لا يدري به كثيرون، بينما الحروب والنزاعات الطائفية تحتل السياسات والمحاور المتنافرة والمشهد العام في سورية والعراق واليمن وغداً في بقاع أخرى.

وأخيراً جاءت صدمة ترامب لتنبه السادرين في غفواتهم أنّ المدينة يكتسحها سيف التهويد. أما الحلم في أن تكون القدس عاصمة لدولة فلسطين فلم تعد له من مقومات فعلية كثيرة بعدما فعل الفعل الصهيوني في المدينة وحاراتها وشوارعها فعله التدميري الكامل، وباتت اليوم مختلفة عما كانت عليه بالأمس. مائة سنة من الفعل الصهيوني يصل إلى ذروته في هذه اللحظة الفارقة، وكأن ما جرى خلالها لم يكن ليؤدي سوى إلى مثل هذه النتائج القاتلة. ودون أن يدري الكثيرون ماذا يفعل استعمار استيطاني اقتلاعي بمدينة من وزن القدس تتفاعل فيها كل حقبات التاريخ البشري وعقائده بتنوعها وتفاعلها وتمازجها في بوتقة مكانية واحدة. بينما الحركة الصهيونية لا ترى فيها سوى تاريخ أسطوري واحد عمره ثلاثة آلاف سنة يستند إلى الإيديولوجيا التي تكذبها الحفريات وأعمال التنقيب وشهادات علماء الآثار، التي تؤكد أن لا وجود لبقايا الهيكل أو لدولة "إسرائيل" منذ العبرانيين وحتى اليوم بين طبقات الأرض التي تستقر فوقها المدينة. لكن ترامب يريد أن يخبرنا الحكاية التي يرددها على مسامعنا منذ عقود عُتاة الحركة الصهيونية. يخبرنا ترامب أن القدس هي العاصمة الأبدية للاحتلال، وينسج على الطريقة العربية عندما يضع لازمة الأبد. يريد ترامب أن يقنعنا بأن ما صار صار ولا راد لأحكامه الصادرة بتوقيعه وبضمانة جبروت السياسة الأميركية، وما علينا كشعوب مهانة سوى القبول والانصياع للأمر الواقع المفروض بقوة السلاح الأميركي - "الإسرائيلي" والعجز العربي.

أرقام الفقر

العرب أمام محنة القدس مواجهون بإعادة النظر الجذرية والعميقة بمواقفهم وطروحاتهم من مجريات ما يجري في فلسطين بعد تلك الرحلة الطويلة من الخراب، وتضييع البوصلة التي كانت تهديهم إلى سواء السبيل. والفلسطينيون مطالبون أكثر بإعادة النظر ببرامجهم، بدءاً من الكفاح المسلح بالطريقة التي أدير بها من الخارج والداخل، وكذلك بمقولة العمل والحلّ السياسي والدبلوماسي، من أجل اجتراح معادلة جديدة يستطيعون هم دون سواهم وفي ضوء خبراتهم وتجاربهم صياغتها من وحي المعاناة التي عانوها طوال هذا القرن الذي يبدو لهم وكأنّه أكثر من ألف عام.

وفق المعطيات "الإسرائيلية" لعام 2015، يشكل الفلسطينيون نحو 37 في المائة من سكان المناطق التي تقع في نفوذ بلدية القدس الكبرى (الشرقية والغربية)، وهو النفوذ الذي تضاعف مرات عدة. تصل نسبة الفقر بين فلسطينيي القدس إلى نحو 79 في المائة، ونسبة البطالة إلى 30 في المائة، وهي تشمل مخيم شعفاط والبلدات الفلسطينية الصغيرة في محيط المدينة.

أما نسبة اليهود المتزمتين (الحريديم) فتصل إلى 23 في المائة، وتصل نسبة الفقر في أوساطهم إلى 50 في المائة، وعموماً فإنّ الحريديم هم من الشرائح الأفقر في "إسرائيل". أما البقية من سكان المدينة، أي 40 في المائة تقريباً، فهم من المستوطنين الصهاينة العلمانيين والمحافظين، وتصل نسبة الفقر بينهم إلى 27 في المائة. ووفق المعطيات الفلسطينية، تفوق نسبة الفقر في القدس مثيلتها في قطاع غزة المحاصر (تراوحت ما بين 40 في المائة و65 في المائة). ويقدّر أنّ 117 ألف طفل مقدسي يعيشون تحت خط الفقر من أصل 230 ألف مقدسي يعيشون تحت خط الفقر وفق المعايير "الإسرائيلية".

بحسب نتائج المسح الاجتماعي لمحافظة القدس في العام 2013 الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإنّ عدد سكان محافظة القدس بلغ 404.165 نسمة توزعوا بواقع 251.430 نسمة على المنطقة ج 1، وتشمل هذه المنطقة ذلك الجزء من المحافظة الذي ضمته "إسرائيل" قهراً بعد احتلالها الضفة الغربية عام 1967، و153.122 فرداً في المنطقة ج 2، وتشمل باقي المحافظة. وبذلك، يكون عدد سكان المحافظة ما نسبته 9.1 في المائة من سكان مجموع الأراضي الفلسطينية التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967 والبالغ 4.42 ملايين نسمة. وصف بيان الجهاز سكان محافظة القدس بأنّهم ينتسبون إلى مجتمع فتي، إذ بلغت نسبة الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة ما نسبته 35.2 في المائة، في حين بلغت نسبة الأفراد الذين بلغت أعمارهم 60 سنة فأكثر 6.7 في المائة.

زيادة المساحة

سعت "إسرائيل" منذ احتلالها الضفة والقدس إلى تنفيذ خطة إخلاء ممنهجة للمدينة وأهلها عبر أشكال متعددة، من بينها الاستيلاء على أراضيهم، وهدم بيوتهم، والتوسع الاستيطاني، والاعتداء عليهم، ومصادرة ممتلكاتهم، وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وصولاً إلى إشعار المقدسي بأنّ إقامته في مدينته مستحيلة، وعليه الرحيل عنها باعتبار أنّ مقومات بقائه غير متوافرة.

كانت مساحة أمانة القدس قبل الاحتلال تبلغ 6.5 كيلومترات مربعة، وقد أضافت إليها "إسرائيل" في أعقاب الاحتلال ما مساحته 72 كيلومتراً مربعاً من الضواحي والقرى المجاورة لتصبح المساحة الكلية 78.5 كيلومتراً مربعاً. تشغل المستوطنات من مساحتها 44 في المائة، وتصنف 38 في المائة منها على أنّها منطقة خضراء يمنع البناء عليها، ما يجعل حياة المقدسيين بالغة الصعوبة في السكن والإقامة.

يجب أن يضاف إلى ذلك كلّه أنّ عملية هدم المساكن جارية على قدم وساق. والذريعة الرائجة دوماً هي البناء من دون ترخيص. والترخيص للبناء ليس متعذراً أمام الفلسطيني بل شبه مستحيل، بالنظر إلى القيود المفروضة التي ترغمه على البقاء في المكان ذاته من دون حد أدنى من التوسع الطبيعي الذي يتطلبه النمو السكاني. في المقابل، نجد أنّ المناطق المكرسة لليهود تُشرعَن وهي التي يسمح فيها بالتوسع العمراني من دون سواها. وهذا كله يجعل الفلسطيني محاصراً في وجوده، مهدداً بهدم منزله، بعدما أضافت "إسرائيل" إلى قائمة عقوباتها هدم المنازل العائلية للمناضلين الذين يواجهون جنودها. والجديد في الأمر أيضاً أنّ العقوبات الجديدة تفرض على الفلسطيني هدم بيته بيديه. المستوطنون يعمدون دوماً إلى مصادرة منازل فلسطينية واستعمالها، أو الضغط على الفلسطينيين لترحيلهم عن المدينة وبالتالي إخلائها للمستوطنين الذين يحظون بمباركة وتشجيع ورعاية المسؤولين الحكوميين والأجهزة الأمنية والبلدية. ومن خلال مراجعة بيانات عمليات هدم المنازل على مدى السنوات العشر الأخيرة يلحظ أيّ متابع تصاعداً نوعياً قي هذه العملية، ما يعني تشريد المزيد من السكان المقدسيين وإرسالهم إلى المنافي البعيدة والقريبة.

كلّ هذا هو غيض من فيض ممارسات الاحتلال، ما يجعل الفلسطيني المقدسي مهدداً في وجوده المكاني. فالمقدسي بموجب القوانين "الإسرائيلية" ليس مواطناً يحق له العيش في مدينته أو ضمن نطاق المحافظة. ويتطلب بقاؤه الحصول على تصريح أو إذن بالإقامة كالأجنبي. وفي حال قام بمخالفات معينة يفقد الإذن بالإقامة الدائمة بالنظر إلى أنّ القانون ألغى حق الإقامة الدائمة للمقدسي، إذا ما تغيب عن المدينة مثلاً لمدة سبع سنوات متواصلة، وفي هذه الحالة عليه تجديد الإقامة وفقاً لتعديلات قانون الدخول إلى "إسرائيل" الصادر عام 1974 الذي عومل بموجبه المقدسيون معاملة المهاجرين الجدد والأجانب وبصفتهم مقيمين في دولة "إسرائيل" وليسوا مواطنين فيها. لكنّ سلطات الاحتلال زادت الأمور تعقيداً أمام المقدسيين عندما أخذت بمعيار جديد بات بموجبه يحق لها سحب بطاقة الهوية من كلّ مقدسي يقضي من حياته خارج المدينة فترة أقل من سبع سنوات. وهذا يعني أنّ المقدسي الذي يعمل خارج المدينة بات مهدداً بفقدان حق إقامته الدائمة فيها.

قهر

أهمية كلّ هذه الإجراءات التي تقود إلى سحب هوية المقدسيين وحق إقامتهم بمدينتهم أنّها تمهد الطريق للتلاعب الديموغرافي في توازن سكان المدينة لصالح المستوطنين. وإذا تذكرنا أنّ القدس باتت محاطة بكتل استيطانية كبرى، وأنّ هناك قانوناً في الكنيست حول القدس الكبرى الذي يضم هذه المستوطنات إلى بلديتها، لأدركنا ماذ يقصد الاحتلال من إجراءاته. فالمعروف أنّ "إسرائيل" تعمد إلى سحب الهويات من المقدسيين الذين يغادرون مدينتهم بداعي العمل أو التعليم.

ويتبين من الإحصاءات التي نشرت عن عدد الذين سحبت بطاقات الإقامة منهم أنّ هناك خطاً بيانياً تصاعدياً. تكفي مثالاً على ذلك الإشارة إلى أنّه في العام 2006 سحبت البطاقات من 1363 شخصاً ليرتفع العدد في العام 2009 إلى 4577 فلسطينياً، علماً أنّ مجموع من سحبت البطاقات منهم بين الأعوام 1967 و2006 بلغ 8269 بطاقة.

وفي دراسة أعدتها الدكتورة نجلاء مكاوي بعنوان "الاغتراب الاجتماعي لدى الشباب المقدسي"، تقول: "في القدس، الفلسطيني جسداً ومكاناً هو العقبة أمام مشروع المحتل الاستيطاني، فهو يريده أن يرحل بعيداً أو أن يبقى في البقعة نفسها، من دون تكاثر أو توسع إلى المناطق المكرسة لليهود فقط. وبالتالي، لا يفتأ المحتل يستخدم كلّ وسائله للقضاء على تلك البقعة، فيحاصر المقدسي بانتزاع أرضه وتحديد وجوده وهدم بيته، فسلطة المحتل هي التي تحدد للفلسطيني نسله وامتداده الجغرافي والديموغرافي والبيولوجي، لذلك، فهو يعيش في حالة من الترقب، إذ إنّ كيانه ووجوده في المدينة معرضان للتهديد".

تلاحظ مكاوي أنّ العائلة المقدسية باتت مفتتة وتعاني قهراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وغالباً ما يتغيب ربّ الأسرة لأسباب قاهرة، كالسجن والموت أو السفر طلباً للرزق "الشباب المقدسي يشعر بالدونية لدى احتكاكه بالشطر الغربي للمدينة كونه عربياً يعاني من السياسات الإقصائية باعتبار أنّ هذا المكان ليس له... فهو رغم التلاصق الجغرافي يراه مكاناً لا يمت له بصلة، لا يقع في فلسطين... إنّه عالم كامل كان من الممكن أن يكون له، لكنّه عاجزعن استئجار شقة فيه".

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية