السادات وصدام والقذافي، كيف عانى هؤلاء في طفولتهم؟

بالعربي: حينما يعاني الإنسان من فترة طفولة صعبة، فذلك سيكون له تأثير على شخصيته بالسلب أو الإيجاب. الكثيرون يكافحون للتغلب على تلك الظروف وينجحون ويتميزون، لكن القليلين فقط يصلون لشغل منصب رئيس الجمهورية.

السادات

الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي تولى رئاسة مصر أحد عشر عاماً حتى العام 1981، ولد في الخامس والعشرين من نوفمبر 1918 في قرية ميت أبو الكوم لواحدة من الأسر المتعلمة، فوالده كان موظفاً في الجيش ووالدته سودانية من أم مصرية تدعى "ست البرين" من مدينة دنقلا. تزوجها والده حين كان يعمل مع الفريق الطبي البريطاني في السودان.

الجدة الحكيمة

ارتبط السادات في طفولته بجدته التي كان لها أكبر الأثر في حياته ذلك الوقت، إذ خصها فقط، دوناً عن أفراد أسرته، بالتحدث عنها في كتابه "البحث عن الذات" الذي يسرد فيه قصة حياته، حين حكى عن طفولته المبكرة.

يقول السادات عن جدته: "كم كنت أحب هذه السيدة! كانت شخصية في غاية القوة، بالإضافة إلى الحكمة، حكمة الفطرة والتجربة والحياة، وطول فترة نشأتي في القرية كانت هي رأس العائلة. والدي كان يعمل مع الجيش في السودان وهي ترعانا وتخرج وراء الأنفار كأيّ رجل تتعهد الفدانين والنصف التي اقتناها والدي".

يؤكد السادات في كتابه أنّ جدته كانت تحكي له حواديت بعيدة عن الأساطير مثل بطولات أدهم الشرقاوي وكفاحه في محاربة الإنجليز والسلطة، وهو ما ساهم في تكوين شخصيته السياسيّة.

"جدتي يلجأ إليها أهالي القرية لتحلّ مشاكلهم، وتشفيهم مما قد يصيبهم من أمراض بوصفات وأعشاب الطب العربي القديم التي لم يكن في قريتنا أو في القرى المجاورة من يتقنها مثلها" يقول السادات.

حافي القدمين

يروي السادات أنّه كان يذهب مع جدته لشراء زلعة العسل الأسود ثم يعودان إلى دارهما. يتذكر المشهد الذي ظلّ محفوراً في وجدانه قائلاً: "كنت أسير خلف جدتي صبياً أسمر ضئيل الجسم حافي القدمين يرتدي جلباباً تحته قميص أبيض من البفتة لا تفارق عينيه زلعة العسل... ذلك الكنز الذي كان يسعدني كثيراً".

أدخلته جدته كُتّاب القرية لتعلم القراءة وحفظ القرآن. "أجلس على الأرض، أحمل اللوح الصفيح والقلم، كلّ عدّتي في تلقي العلم وجيب جلابيتي الفضفاض الذي كنت أحشوه في الصباح بالجبن الناشف المخلوط بكسر الخبز، ألتهمه حفنة بعد حفنة خلال الدروس وما بينها" قال السادات.

تحت خط الفقر

عاش السادات يعاني من فقر المال فحين انتقل إلى القاهرة سنة 1925، عند عودة والده، أقاموا في بيت صغير في كوبري القبة واختار والده له مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية لأنّها كانت مدرسة أهلية تناسب دخله. وبالرغم من ذلك كان السادات مجدّاً ومتفوقاً على أقرانه.

يقول السادات إنّ أخاه طلعت قرر عدم استكمال تعليمه حينما كان في الثانوية، فكان ذلك لحسن حظه، فلربما كان والده يوقف تعليمه بسبب عدم قدرته على الإنفاق على الاثنين.

يستطرد الرئيس المصري الراحل في كتابه: "في مرحلة الثانوية كنت أعيش تحت خط الفقر، فقد كان راتب والدي محدوداً. ملابسي واحدة لا أغيرها عكس زملائي، مصروفي مليمان أشتري بهما كوباً من اللبن فيما كان زملائي يشترون الحلوى والشيكولاتة من كانتين المدرسة". يؤكد السادات أنّ كلّ ذلك لم يتسبب له في حقد أو عقدة.

صدام حسين

ولد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الثامن والعشرين من أبريل سنة 1937 لأسرة فقيرة من أسر الفلاحين في قرية العوجة بالقرب من مدينة تكريت.

يذكر كتاب الملفات السريّة للحكّام العرب للكاتبة ساندرا مكي أنّ البيت الذي ترعرع فيه صدام حسين كان مبنياً من الطوب اللبن والبوص، وقد مات والده قبل ولادته. بعد وفاة والده تزوجت أمه من رجل أميّ يُدعى إبراهيم الحسن، الذي كان يعامل صدام بطريقة سيئة للغاية.

يحكي صدام حسين عن عائلته في روايته "رجال ومدينة" التي ارتكزت على سيرته الذاتيّة، بحسب نقاد. يقول إنّ والده حسين عبد المجيد يمتد بجذور أسرته إلى سيدنا الحسين، وإنّه كان يعمل حارساً، وقد تزوج والدته صبحة.

يشير صدام إلى أن والده توفي قبل ولادته بثلاثة أشهر، وأنّه قد أوصى صبحة بأن تسمي المولود "صدام" إن كان ذكراً، وإن كان بنتاً ففاطمة‏.‏

معاناة صدام من قسوة زوج الأم

عاش صدام مع والدته التي تزوجت بعد رحيل أبيه من شخص رفض تعليمه، حتى لجأ صدام إلى الهروب عندما كان في التاسعة من عمره إلى بغداد حيث منزل خاله خير الله طلفاح.

يروي صدام سبب هروبه: "طرحت فكرة الدراسة على والدتي وكانت رغبتها أن أدرس ولكن عندما طرحت الفكرة علي زوج أمي رفضها من أساسها ولعن المدرسة ومن يدرس ولم يسمح لوالدتي أو لي بأن نناقشه‏...‏ واتخذت قراري النهائي من غير أن أبوح به حتى لأمي‏".‏

يذكر كتاب الملفات السريّة للحكّام العرب أنّه عقب هروب صدام دخل المدرسة للمرة الأولى وأنهى الدراسة الثانوية في سن السادسة عشرة، ولأنّه كان طموحاً فقد سعى للالتحاق بالسلك العسكري ولكن ضعف درجاته حال دون تقدمه إلى الكلية الحربيّة في بغداد.

تطييب الجروح بالنار

الشجاعة والقدرة على التحمل كانتا من صفاته منذ الطفولة. تعلّم الرماية والسباحة وركوب الخيل. خلال أول محاولة سباحة بمفرده تعرّض لإصابة فتمّ تطبيب جرحِه عن طريق فتيل من الصوف كان يوضع على النار وعندما يلتهب يطفأ على مكان الجرح‏.‏

قال‏: مع الألم الذي أحسست به لم أتضجر أو أتأوه فهل يجرؤ أحد على التأوه من هذا‏؟ وهل يرضى صدام أن يوصف بالضعف أو الجبن؟"
أجمعت الروايات المختلفة على أنّ صدام عاش طفولة قاسيّة حتى إن لم يذكر ذلك بلسانه، وهو ما أثر في شخصيته عند الكبر.

يقول صلاح عمر العلي ابن تكريت الذي كان مبعوثاً للعراق لدى الأمم المتحدة خلال حوار له مع جريدة الحياة، إنّ حياة صدام كانت قاسية ويعتبر القوة الضمانة الوحيدة. فهو ولد في قرية تتميز طباع أهلها بالشراسة، وكان قد شعر باكراً أنه مهدد وأنّ عليه أن يكون عنيفاً ليحمي نفسه. وهو ما أكده أيضاً كتاب صدام نهوضاً ونكوساً لشكيب عقراوي، إذ قال إنّ طفولته كانت من أقسى أيام حياته، فقد عاش طفولة معذبة وأياماً قاسية ساهمت في ظهور شخصيته الدمويّة، بحسب وصفه.

معمر القذافي "ابن جهنم"

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي الذي حكم البلاد 42 عاماً، ولد في السابع من يونيو سنة 1942، في أسرة تعمل في الزراعة وتربية المواشي، أسرة محافظة بدويّة من قبيلة القذاذفة، في قرية اسمها "جهنم" بالقرب من سرت، لأسرة.

هل أمه يهودية؟

أصول والديه غير معروفة، خاصةً والدته التي ذكرت بعض الوسائل الإعلاميّة العربيّة والعالميّة عنها أقاويل متعددة، فصرح صلاح القذافي ابن شقيق الرئيس الراحل ورئيس صندوق رعاية الطفولة، لصحيفة "أرغومينتي إي فاكتي" أنّ والدة الرئيس الليبي تـنحدر من روسيا "أديغية"، قـدمَت إلى ليبيا من منطقة القوقاز الروسي.

فيما أشارت وسائل إعلاميّة أخرى، على رأسها التلفزيون العبري، إلى أنّ والدته يهوديّة، واستضافت القناة العبرية الثانية سيدة يهودية تدّعي بأنّها خالته. القذافي لم يتحدث عن والديه حتى في الخاطرة التي كتبها عن قصة حياته "الفرار إلى جهنم".

ارتحل القذافي بعد سنوات من ميلاده إلى الجنوب وصولاً إلى ولاية فزان، ومن ثم انتقل لمدينة سبها والتحق بالمدرسة.

نبوغ مبكر

يحكي أحمد قذاف الدم ابن عم القذافي، المتحدث الرسمي السابق للرئيس الراحل للشؤون الخارجيّة، في برنامج الذاكرة السياسيّة على قناة العربية، أنّ القذافي جاء وأسرته طفلاً ليعيشوا لديهم في سبها، حيث كانت سنوات القحط في سرت مسقط رأس القذافي.

كان طفلاً يافعاً يحفظ أجزاء كبيرة من القرآن. دخل المرحلة الابتدائية فكان مختلفاً عن كلّ أقرانه الذين كانوا في نفس سنه وكان متفوقاً عليهم ذكاءً وطموحاً، ويدلّل قذاف الدم على ذلك بأنّه عند دخوله الإبتدائية وقبل نهاية الأسبوع الأول من الدراسة نقلوه إلى الصف الثاني لتفوقه، وقبل نهاية الأسبوع الثاني نقلوه إلى الصف الثالث.

وروي قذاف الدم أنّه نتيجة لذلك الأمر أعدّ له والده حفلاً كبيراً ورعاه بصورة أفضل.

التحق القذافي بالمرحلة الإعدادية، وكان الراديو في ذلك الوقت شيئاً نادراً بحسب قذاف الدم، إلا أنّ القذافي كان حريصاً على الاستماع إلى إذاعات بي بي سي وصوت العرب، ومن هنا بدأ شغفه بالاطلاع على الأحداث، ومن ثم أصبح قارئاً نهماً فيحرص دائماً على الوجود في مكتبات سبها لقراءة المزيد من الكتب.

الطفل المتمرد

وبعكس اهتمامات الأطفال المألوفة، اهتم القذافي بالسياسة، فمنذ طفولته كان يقود مظاهرات ضدّ الوجود الفرنسي في سبها، وحاول أكثر من مرة أن يداهم القاعدة التي يتمركز فيها الفرنسيون، ثم بدأ التحرك لتكوين خلايا سريّة.

يشرح قذاف الدم أنّ ذلك الأمر كان يتم من خلال اندماجه في فصول المدرسة والتعرف على من يشعر بامتلاكهم لحس وطني، ومن ثم استقطابهم لمحاربة الفرنسيين.

مشكلة كبيرة حدثت للقذافي حين زار مدرستهم مفتش اللغة الإنكليزيّة، وهو بريطاني الجنسيّة. حينها أظهر القذافي صورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر وقال للمفتش إنّ الإنكليز غير مرحب بهم في  ليبيا. كان القذافي متأثراً بجمال عبد الناصر، يوضح قذّاف الدم.

على إثر تلك النشاطات السياسية للقذافي تمّ طرده من المدرسة عام 1961، فانتقل إلى مصراتة لاستكمال دراسته الثانوية، حتى التحق بالأكاديمية العسكرية في بنغازي.

المصدر: رصيف 22

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية