كيف تنبأ فرانز كافكا بمحكمة الشرتوني؟ الماس السوري في محاكم الفحم "الاسرائيلي"

بالعربي- كتب- نارام سرجون:

عندما سمعت حكم الاعدام الذي اصدره القضاء اللبناني بحق البطل حبيب الشرتوني أحسست أنني قرأت عن هذه المحاكمة العجيبة منذ زمن طويل في مكان ما .. وبحثت في زوايا الذاكرة وأنزلت كل الكتب التي اصطفت على رفوف العمر كمن يبحث عن اليقين المنسي .. وعندما أحسست أنني أعيش كابوسا من كوابيس فرانز كافكا في قصته (المحاكمة) تذكرت ان القصة التي أبحث عنها هي فعلا قصة (المحاكمة) .. وأحسست أنني فيها المتهم الذي يعيش الكابوس .. في محكمة كافكا الشهيرة يجد شخص نفسه في محكمة لايعرفها .. وقضاة لايعرفهم .. وامام قضية لايعرف تهمته فيها .. وكأن كافكا كان ينتظر أن يظهر شخص مثل حبيب الشرتوني .. لأن محكمة الشرتوني لاتشبه شيئا الا محاكم فرانز كافكا .. ولأن كل واحد فينا يحس أنه في قفص الاتهام اللبناني وان الحكم صدر في حقه وليس في حق الشرتوني ..

يبدو أن من أصعب الأشياء على اللغة أن تتحدى الفيزياء والكيمياء والرياضيات في بلاغتها .. اي أن تختصر شرحا طويلا لتفاعل معقد أو تسمية لمركب مكون من التقاء عدد كبير من الذرات في روابط معقدة .. ولكن لبنان وحده لديه انفراد في انه يختصر نفسه والقصص الطريفة في العالم في معادلة قصيرة .. اذا تمعنتم بها وجدتم أنفسكم في غنى عن قراءة مايكتبه فقهاء “الحئيئة” ويمكنكم بعدها وضميركم مرتاح أن تقفلوا الراديو أو التلفزيون اذا تبرع أحد جهابذة “الحئيئة” بالحديث ليشرح لكم مالاتعرفونه عن العدالة والحرية والكرامة والاستئلال والمساواة في بلد “المستأبل” .. والشهيد “رفيء الحريري” ..
ماعليك في هذا البلد العجيب الا أن تضع في الميزان متهمين مشهورين .. أحدهما قتل رئيس وزراء لبنان رشيد كرامي .. والثاني قتل رئيس جمهورية لبنان بشير الجميل ( قبل أن يتولى منصبه أي أنه عمليا تغلب عليه لحظة موته صفة قائد ميليشيا) ..
رشيد كرامي – الذي قتله سمير جعجع – وطني لبناني ولم يكن له دور في خيانة لبنان والاتصال ب"الاسرائيليين" على الاطلاق وهو من أكثر العائلات السياسية اللبنانية المشهورة بوطنيتها المتجذرة فيها .. أما بشير الجميل – الذي قتله حبيب الشرتوني – فهو قائد ميليشيا مثله مثل زهران علوش في دوما ومثل حجي مارع في حلب .. وقد كان بشير الصبي المدلل لاريئيل شارون الذي كان كلما خاطبه يبدأ كلامه بالقول ياابني .. وبشير التقى بـ"الاسرائيليين" بعد ان اقسم اليمين الدستورية كرئيس .. وكان مشروع "الاسرائيليين" المستقبلي ليس مجرد سلام مع لبنان بل أن يتحول لبنان الى قاعدة عسكرية لـ"اسرائيل" بحيث خططت "اسرائيل" لما بعد مرحلة السلام عندما يتم تنظيف لبنان من كل المعارضة الوطنية حيث سيستأجر "الاسرائيليون" قمم جبال وقواعد عسكرية وفق اتفاق السلام والدفاع المشترك بحيث يطل "الاسرائيليون" على ميناء طرطوس بالعين المجردة ويشرفون على كل العمق السوري من جرود لبنان التي تستكمل عين جبل الشيخ ..
سمير جعجع (قاتل رشيد كرامي) يعترف اعترافا لالبس فيه بأنه قتل .. وهو يحكم بحكم محكمة ويدخل السجن ولكنه يخرج من السجن بطلا وزعيما ويتولى زعامة ومناصب ويصبح معلما وأستاذا من أساتذة العدالة والحرية وسط تصفيق جمهور الحئيئة والهتاف للعدالة .. وأما حبيب الشرتوني (قاتل الخائن بشير الجميل ابن أريئيل شارون) فيسجن لسنوات دون محاكمة ويقتل الكتائبيون ستة أفراد من عائلته ثأرا منه بمن فيهم والديه .. ثم بعد ثلاثة عقود يحاكم ويحكم بالاعدام وسط تصفيق جمهور الحئيئة والهتاف للعدالة ..
في لبنان “الحئيئة” يصبح سمير جعجع بطلا وحبيب الشرتوني قاتلا .. جعجع يصير زعيما وفيلسوفا للعدالة أما حبيب فمنفي وينتظره حكم اعدام .. في لبنان “الحئيئة” اذا وقفت في وجه الخيانة فأنت خائن وانتظر المنفى أو السجن أو الاعدام .. واذا كنت خائنا للشعب ومجرما باعترافك فأنت بطل وانتظر أن تصبح زعيم تيار سياسي وتغسل يديك من الدم بالمنظفات القانونية لتصبح أستاذا للفلسفة والقانون .. وتدخل قبة البرلمان لتمثل الشعب ..

العربي اليوم

باختصار شديد ووفق معادلة مختصرة جدا لاتضيع وقتك في الاصغاء لنشرات أخبار القنوات اللبنانية “المستئلة” .. ولاتصدق كلمة واحدة مما يكتبه وعاظ “الحئيئة” .. وتذكر هذه المعادلة الذهبية: ((جمهورية لبنان = جمهورية جعجع – جمهورية حبيب الشرتوني)).. وهي تختصر ملايين الصفحات وملايين ساعات البث عن الحئيئة .وقد قالها يوما البطل حبيب الشرتوني محذرا الخونة: لكل خائن حبيب .. فيرد البرلمان اللبناني: ولكل رشيد سمير .. ويثني القضاء اللبناني على رد البرلمان ويضيف: ولكل بطل قضاء لبناني ..

ان اعادة التصويب على الأبطال اللبنانيين في بلاد الحئيئة هو سلسة من حلقات التصويب والملاحقة لكل من تحدى ارادة "اسرائيل" .. ورسالتها الى حبيب الشرتوني وغيره هي أننا سنلاحق أعداءنا الذين أسقطوا مشاريعنا الى آخر يوم .. فقد انتقموا من سمير قنطار .. وانتقموا من عماد مغنية وحسان اللقيس وانتقموا من كل القادة السوريين الذين أوصلوا السلاح للمقاومة اللبنانية والفلسطينية .. وحبيب الشرتوني يمثل بقاؤه خطرا أكبر بكثير مما يتخيله البعض لأنه بطل مسيحي ماروني رفض مدرسة خيانة تحاول ربط المسيحية المشرقية بالصهيونية .. فالصهيونية تحاول جاهدة أن تقدم نفسها للمسيحيين الشرقيين على انها حاميتهم من المسلمين لتؤسس لشعور صهيومسيحي .. كما تفعل اليوم بتصوير نفسها حامية للسنة المسلمين ضد الشيعة المسلمين لتؤسس لمحور وشعور صهيواسلامي أو بشكل أدق صهيواسلاموسني .. وهذا التأسيس لتيارات (ضد الطبيعة) يدمره أشخاص مثل حبيب الشرتوني المسيحي الماروني المشرقي السوري الذي دافع عن كل الشرق المسلم والمسيحي بقتله خائنا مارونيا مسيحيا كما دافع جول جمال المسيحي عن مصر كلها وفجر نفسه في بوارج العدوان الثلاثي القادمة من ارض مسيحية لاحتلال مصر عام 56 .. وكما دافع حسن نصرالله عن نفس الشرق .. وجمال عبد الناصر .. وحافظ الأسد .. وكما دافع عنه عصام زهر الدين وسمير القنطار وجورج عبدالله .. وغيرهم ..

وثأر "اسرائيل" وحقدها على حبيب له سبب آخر يجعلها مستنفرة ومستفزة أكثر وهو أنه من مدرسة الزعيم أنطون سعادة التي رفعت شعارا لايمحى هو: ان الصراع في فلسطين ليس بين ديانتين وبين قوميتين بل هو صراع بين مشروعين لايتعايشان .. سورية الكبرى أو "اسرائيل" الكبرى .. .. ولايمكن ان ينتهي الصراع الا بنهاية أحداهما .. فكان هذا ذروة في التحدي لـ"اسرائيل" .. فانبرى الأساتذة والرواد الأوائل لسمير جعجع وبشير الجميل وأمين الجميل لحماية مشروع "اسرائيل" الكبرى .. فعاقبوا الزعيم سعادة باعدامه من دون محاكمة عادلة خلال 48 ساعة من اعتقاله .. لاسكات هذا الشعار الرهيب الذي هز قلب "اسرائيل" .. ولايزال هو المعادلة التي تحكم الصراع .. والتي بسببها تحاول "اسرائيل" تدمير سورية بأي ثمن كي تبقى هي وفق معادلة: "اسرائيل" باقية ان انتهت سورية .. و"اسرائيل" منتهية ان بقيت سورية .. وفي هذا الصراع الذي تقوده سورية فان المسيحي مسلم والمسلم مسيحي .. والشيعي سني والسني شيعي .. و"الاسرائيلي" هو "الاسرائيلي" ..

حبيب الشرتوني هو حبيبنا جميعا .. وهو أنا وأنت ونحن .. ولن نخجل أن نقول بأننا كلنا حبيب الشرتوني .. ونحسده ونغبطه على حظه أنه منح فرصة القضاء على خائن وعميل كبير جدا .. ومحاكمته محاكمة لنا جميعا .. ويجب أن يتوقف هذا السلوك الكابوسي الذي يسمى تيار الحئيئة الذي يقيم المحاكم للأبطال .. ولايخضع لأية محاكمة .. والا وجدنا انفسنا يوما في محاكم كافكا اللبنانية .. حيث لانعرف تهمتنا .. ولانعرف أي نحن .. ولا من يحاكمنا .. ولانعرف سوى أننا مذنبون ..

لاتحزن ياحبيب .. فأنت تعلم أن الماس ماهو الا قطعة كربون تعرضت لضغط شديد جدا واستثاني .. كل من حولك فحم لاقيمة له يحترق في محركات اسرائيل التي لاتسير الا بوجود الكثير من الفحم العربي .. فحم مسيحي .. وفحم اسلامي .. فحم علماني .. وفحم وهابي .. وفحم سني .. وفحم شيعي .. أما أنت ياحبيب فان ضغط الخيانة الاستثاني حوّلك الى بطل ورمز والى قطعة من الماس السوري البديع الذي يرصع السماء بالأبطال .. وأية ماسة أنت ياحبيب .. أية ماسة انت ياحبيب!!!

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية