فيديو.. أمراض جلدية تسببها الملابس .. والرقابة الفلسطينية غائبة

بالعربي_تحقيق: وفاء عاروري

تلقت وحدة الصحافة الاستقصائية في تلفزيون وطن، مجموعة من شكاوى المواطنين مفادها أن بعض الملابس المحلية الصنع والأجنبية على حد سواء تسبب أمراضًا جلدية، بعد أن تتحلل ألوانها على جسم الإنسان.

سمر الساو عشرون عاما من رام الله، تحدثت لـ "وطن" عن تجربتها مع بعض الملابس، حيث تشتري عادة ملابس متوسطة السعر كونها طالبة جامعية، ولكنها انتبهت ذات مرة أن بنطالها الأزرق ترك لونا على جلدها، تسبب لها بعد ساعات بحساسية وحكة قوية.
وقالت إنه عندما  تكرر الأمر وضعت هذا البنطال جانبا ولم تعد ترتديه .
سمر ليست الحالة الوحيدة التي تلقينا شكواها، ياسمين قطيري (21 عاما) من قرية عطارة شمال رام الله، تحدثت لنا عن معاناتها مع بعض البناطيل المنتشرة داخل السوق الفلسطينية، حيث هجرت هي الأخرى بناطيل "الجينز"، بشكل تام، بعد أن تسببت لها بالحساسية.
تتبعنا هذه الشكاوى، لكننا لم نكتف بها، استطلعنا رأي المواطنين، في مدينة رام الله، حول ذات القضية لمعرفة حجم هذه المشكلة وهل ترقى لمستوى الظاهرة، فلمسنا انتشارها عند مجموعة من المواطنين الذين قابلناهم.
تجربة يدوية

وللتأكد من هذه المشكلة، توجهنا لإحدى محلات الملابس الموجودة داخل مدينة رام الله، واخترنا قطعة بشكل عشوائي ثمنها 35 شيقلا، وأجرينا عليها تجربة يدوية، فكانت النتيجة أنه بمجرد ملامسة القطعة للماء تحلل لونها، ما يعني أنه بمجرد ملامستها للجلد ستتحلل أيضا، نظرا لكونه عضوا مفرزا للعرق في جسم الإنسان.
الفرضية

"غياب الرقابة الحكومية على قطاع الملابس يهدد صحة المواطن"، هذه هي الفرضية التي بدأنا بها تحقيقنا والذي استمر شهرين من البحث والتقصي، اعتمادا على الشكاوى والتقارير التي تتحدث عن مخالفات في هذا القطاع.
بحثنا عن المسؤول وأثبتنا غياب الرقابة وخضنا في عمق القضية، لنكشف عن ثغرات يومية بالغة الخطورة.

وكي نتأكد من صحة الشكاوى السابقة ومدى تأثير المواد المستخدمة في صناعة الملابس على جسم الإنسان، توجهنا لطبيب الجلد حسين السلوادي، الذي أكد أنه خلال أربعين عاما من العمل زاره الكثير من المرضى، يعانون مشاكل جلدية سببها احتواء الملابس التي يرتدونها على مواد تهيج الجلد وتسبب له الحساسية، أو الاحمرار أو الحكة وانتشار الطفح الجلدي.
وأوضح السلوادي: أن الحساسية أو "الأكزيما"، كما تسمى علميا، قد تكون على ثلاث درجات، أما خفيفة، أو متوسطة، أو شديدة، والأخيرة قد تصل بالإنسان إلى مرحلة الإغماء، أو تسبب له التهابات جرثومية.
السرطان محتمل!

لم نكتف بخبير واحد، قابلنا المختص في الأمراض الجلدية والتناسلية  د. صلاح صافي، الذي ذهب إلى حد لم نكن نتوقعه، معتقدا أن استخدام مثل هذه المواد المستخدمة في صباغة وصناعة الملابس من شأنها أن تسبب السرطان للإنسان على المدى البعيد.
وأشار صافي إلى أن الأصباغ أيا كان نوعها وأينما وجدت، تعتبر "بريكانسر"، أي مواد مسرطنة، وهو ما ينطبق على الملابس التي تلامس جلد الانسان مباشرة.

التجار يتنصلون..

وبعد اثباتنا التأثير السلبي لبعض الملابس على صحة المواطن عدنا مرة أخرى الى الأسواق، لمساءلة التجار، الذين تنصلوا من مسؤوليتهم في هذا الأمر، وحملوها للمستوردين .
محمد السوداني صاحب محل ألبسة بمدينة رام الله، قال إنهم  كتجار لا يستطيعون معرفة مدى جودة قطع الملابس قبل أن يجربها المواطن.
مضيفا انه كثيرا ما تأتيهم ملاحظات على ملابس تم بيعها للزبائن،  ولكن المشكلة ليست لديهم وإنما لدى المستورد الأساس.
صدام صاحب محل ألبسة أيضا، حمّل المواطن المسؤولية، وقال: إن المواطنين يبحثون عن ملابس رخيصة السعر، دون الالتفات لجودتها على الإطلاق، وأضاف لـ "وطن":" بنطلون ب 30 شيقل ما بدكم يكون بنحل يعني، قماشته وغسيله لحالهم بكلفوا 30 ؟؟"

المستوردون: لا رقابة على الجودة

وفي الوقت الذي عزى فيه التجار السبب في ظاهرة تحلل الملابس، إلى ضمائر المستوردين الضعيفة، أكد بعض المستوردين أن البضائع تدخل إلى الأسواق بسهولة تامة، بعد أن يتم دفع ضرائبها الجمركية، وأن الرقابة الحكومية من كل الجهات المختصة معدومة تماما سواء على الملابس المستوردة أو المحلية الصنع.
المستورد خالد اسماعيل من رام الله، قال لدى سؤالنا عن الرقابة على الملابس المستوردة، إن الملابس تدفع ضرائبها على معبر الكرامة بأريحا، وتنتقل مباشرة إلى مخازن المستوردين، إذن أين ستكون الرقابة؟؟
وهو ما أكده أيضا، المستورد وليد القواسمي من الخليل، حيث قال لـ "وطن" إن التدقيق يتم فقط على دفع الجمارك، عدا ذلك لا يوجد أي رقابة لا صحية ولا غيرها.

المواصفات: حبر على ورق

"وطن للأنباء" توجهت إلى مقر مؤسسة المواصفات والمقاييس بمدينة رام الله،  للتأكد من مواصفات معينة على الملابس في السوق، فورد في الوثائق التي حصلنا عليها من المؤسسة، أن المادة رقم سبعة في التعلميات الفنية الالزامية، تنص على ألا تكون الملابس مصنوعة من مواد تسبب تهيجا أو حساسية لجسم الانسان، وألا تستخدم في صباغتها أو معالجتها مواد تضر بصحة الإنسان.
وفي ذات المادة ورد أيضا "يجب أن تصبغ الملابس بأصباغ مناسبة بحيث لا يتأثر اللون عند معالجتها".

الجهات المسؤولة..أين؟

في هذه المرحلة من التحقيق كان لابد من مساءلة وزارة الاقتصاد باعتبارها الجهة الرسمية المسؤولة عن كافة القطاعات الصناعية ومنها قطاع النسيج والألبسة، ذهبنا لمواجتهم بالحقائق التي جمعناها حتى اللحظة وأخذ ردهم عليها.
فأكد مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، ابراهيم القاضي، أنه في حال وجود أي شكاوى على الملابس فإن بإمكان الوزارة أن تأخذ عينات منها وتفحصها، خاصة أن فحص النسيج متوفر في مختبرات وزارة الصحة، وفي المختبرات الخاصة، ولكن لم تردهم شكاوى على الاطلاق.

تصريحات متضاربة

الصادم أن وزارة الصحة المسؤولة المباشرة عن صحة المواطن، نفت وجود أي مختبرات لديها  لفحص عينات من الملابس، مدير دائرة الصحة والبيئة، ابراهيم عطية أكد أن الوزارة لا تملك أية مختبرات لفحص الملابس، قبل أن تصل إلى المستهلك، ووصف ما يحصل في قطاع النسيج والألبسة بالفوضى الصحية.

ومن باب المهنية، وحرص "وطن" على الحصول على معلومات دقيقة ومؤكدة، عدنا مرة أخرى  لوزارة الاقتصاد وسألنا دائرة حماية المستهلك عن سبب تناقض المعلومات، ولكن الأقوال هذه المرة تغيرت من جديد.

حيث تراجع القاضي عن تصريحاته الأولى بأن "فحص الملابس متوفر في المختبرات الرسمية وغير الرسمية"، وأوضح أن مختبر جامعة البوليتكنك في الخليل يستطيع فحص فقط ما نسبته 20% من كامل فحوصات النسيج. مضيفا: أن وزارة الصحة ربما قصدت أنها لا تجري فحوصات على الملابس كون تركيزها يتمثل فقط في فحص المواد الغذائية.

الغريب في الأمر أن الفوضى الصحية والرقابية وصلت أيضا حد المنتج المحلي من قطاع الملابس، رغم أن نسبة هذا المنتج لا تتجاوز 3% من حجم الاستهلاك الكلي للسوق وفقا لوزارة الاقتصاد، حيث اعتمدت الوزارة في سجلاتها مصنعا واحد للنسيج والالبسة في بيت لحم، فيما تعمل بقية المصانع والمصابغ الصغرى دون أي ترخيص، إضافة إلى أن الوزارة لا تعرف حتى عدد هذه المصانع، حسب القاضي.
أوروبا حسمت الأمر

الاتحاد الأوروبي عام 2002،  قطع الشك باليقين وأعلن عن قائمة حظر اوروبية، لـ 22 نوعا من الاصباغ كونها تحتوي على أحماض أمينية تسبب أمراض سرطانية حسب دراساتهم العلمية المعتمدة، فيما يسمح باستخدام بقية الأصباغ بحد لا يتجاوز 30 جزيئا في المليون كحد أقصى لكل حوض صباغة، والنسب السابقة تخضع لرقابة شديدة من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، نظرا لخطورتها على جسم الإنسان.

حاولنا جاهدين معرفة المواد الكيماوية المستخدمة في صباغة الملابس، ومدى مطابقتها لمعايير الاتحاد الأوروبي والمواصفات والمقاييس الفلسطينية،  لكننا اصطدمنا بعدم قدرة المختبرات الفلسطينية على ذلك، وبناء عليه سنقوم بعملية بحث وتقص منفردة ومتخصصة في مجال المواد الكيماوية، وان توصلنا لنتائج جديدة سنكشفها في تحقيق آخر منفصل


خلاصة الأمر، أن الوزارات المسؤولة عن قطاع الملابس لا تعرف عدد المصابغ المحلية ولا تراقب عليها، ولا تفحص ما يتم استيراده من الخارج، بل إن المختبرات المتوفرة أيضا لا تملك الإمكانات التقنية اللازمة لفحص النسيج والألبسة، بالتالي فإن الوزرات لن تعرف المواد الداخلة في صناعة وصباغة هذه الملابس والتي تسبب مشكلات صحية وفقا للأطباء، ليترك هذا القطاع عشوائيا.

"وطن للأنباء"


التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية