خالد وميلود.. يوم أن كان العرب معنا !

بالعربي- كتبت  رولا حسنين: 

هبة جماهيرية أو شعبية أو قل عنها انتفاضة ثالثة، كل هذه الأسماء لا تهمنا كثيراً، فالفعل اليوم سبق القول، ولا مجال للحديث إلا عن عمليات أوجعت المحتل وأصابت بعضه في مقتل، وعن شهداء ارتقوا دفاعاً عن القضية العادلة كمن سبقوهم، أجل قضيتنا عادلة، هكذا تعلمنا وعُلمنا، وبعض مَن علّمنا هذا هم أشقاؤنا العرب يوم أن كانوا معنا ومع عدالة قضيتنا.

في مثل هذا اليوم، وهذه الساعة والدقيقة والليلة بالتحديد، قبل 28 عاماً، في الساعة الـ 9:30 من ليلة "الأربعاء– الخميس" الخامس والعشرين من تشرين الثاني-نوفمبر عام 1987 في منطقة الجليل، هبطت طائرة شراعية في معسكر "غيبور" الاحتلالي، والذي كان مقر قيادة لواء "غولاني" آنذاك، هبط  العربي السوري الثائر لعدالة قضيتنا خالد محمد أكر ابن حلب الشهباء، والذي كان يبلغ من العمر 23 عاماً فقط، برفقة العربي التونسي الثائر لعدالة قضيتنا ميلود بن ناجح نومة وعمره 34 عاماً.

"فلسطين عربية والموت لكم يا أوغاد" هكذا قالت قوات الاحتلال لإعلامها أن المقاتل صرخ بهم أثناء الاقتحام، حيث ظهر أكر من حيث لم يعلموا، كان أشبه بشبح يقتل ويجرح ويحرق ويعطب الآليات، وعندما انتهت المعركة التي استمرت ما يقارب 90 دقيقة، وقبل أن يستشهد كان قد تمكن من قتل 6 جنود إسرائيليين وجرح 20 آخرين، وقد تجمعت أغلب الإصابات في منطقة (الخصية) ليفقد قادة العدو رجولتهم وفحولتهم حسبما أفادت إذاعة العدو ووكالات الأنباء العالمية.

تجدر الإشارة إلى أنه بعد نقل الاحتلال لجثمان الشهيد أكر إلى مستوصف مستوطنة "كريات شمونة" مرّ عن الجثمان قائد اللواء وألقى التحية العسكرية أمامه، فما كان من قائد المعسكر إلا أن همس في أذن قائد اللواء أن هذه جثة "المخرب" فقال قائد اللواء: "إنه يستحق التحية"، فكانت هذه التحية تشبه التحية التي أداها الجنرال الإيطالي مومبيللي للشهيد عمر المختار قائد الثورة الليبية في عشرينيات القرن العشرين، بعد تنفيذه لعملية محكمة ضد الجيش الإيطالي.

في ذات الأثناء بدأت دوريات الاحتلال بمسح الحدود لكشف تواجد مقاتلين آخرين إلى أن عثروا على طائرة ميلود محطمة، وكان يختبىء على مقربة منها بعد أن التوى كاحله من الهبوط العنيف، ليخوض ميلود اشتباكاً عنيفاً مع قوات الاحتلال حصد قتلى وجرحى، وصف الاشتباك بالعنيف جداً كما قالت عنه الصحف العبرية.

كان هذان الثائران العربيان، قد خططوا لهذه العملية رداً على مجزرة قرية قبيا التي استشهد فيها 69 شهيداً، وأصيب 15 آخرين، ونسفت قوات الاحتلال منازل القرية ودمرتها بشكل كامل في الرابع عشر من شهر تشرين اول/أكتوبر عام 1953.

الرد كان متأخر جداً، ولكن هناك قاعدة عسكرية تقول "كلما تأخر الرد، كلما كان مزلزلاً"، وبالفعل أثبتت عملية هؤلاء الأبطال العرب، أن 34 عاماً من التخطيط  للرد على مجزرة قبيا كانت كفيلة بإيجاع المحتل وتكبيده أكبر خسائر ممكنة، ولكن بالنظر الى أعمار منفذي العملية سنجد أن أحدهم عمره من عمر سنوات التخطيط للعملية أي ولد في عام مجزرة قبيا، والأخر ولد بعد 11 عاماً من المجزرة، أي أنهم لم يعاينوها ويشاهدوا مأساة ما حدث لسكانها، ولكن التربية القومية الوطنية العربية للأجيال في الدول العربية كانت كفيلة بأن تصنع أبطالاً يثأروا لشهداء فلسطين وإن لم يعيشوا اللحظة، كانت التربية كفيلة بأن تجعل الشعوب العربية كلها مع عدالة قضيتنا، فخرّجت هذه التربية السوري خالد والتونسي ميلود، هنا كان العرب حقاً معنا!.

لفت انتباهي أعمار هؤلاء الأبطال، لأن شهداء ما نحياه هذه الفترة من انتفاضة أعمارهم بعمر اتفاقية أوسلو أي أنهم جيل كان يعتقد الجميع أنه جيل السلام الخاسر لعدالة قضيتنا، فلم تكن أوسلو يوماً ما مكسباً لنا، بل بدأت واستمرت وهي تظلمنا أكثر، وقد تنتهي على عتبات انتفاضة جيلها الحالية، إذاً العمر ليس محدداً للبطولة والانتفاض لعدالة أي قضية.

وعودة الى الذاكرة الفلسطينية، نجد أن عملية "كمال عدوان" التي نفذتها دلال المغربي مع فرقة دير ياسين عام 1978، كانت تشمل الفرقة عرباً ليسوا فلسطينيين، قضوا شهداء بعد احتجازهم اسرائيليين كرهائن لمبادلتهم بأسرى عرب في سجون الاحتلال، وهنا كان العرب حقّاً معنا!.

وبالعودة الى عملية خالد وميلود، سميت عمليتهم البطولية بـ "الطائرات الشراعية" لأنها كانت العملية الأولى التي استخدم فيها العرب طائرات شراعية ضد المحتل على أرض فلسطين، عام 1953 كان العرب معنا، ولكن الأحوال تبدلت، كانت فلسطين وحدها محتلة، أما اليوم فأغلب الدول العربية هي حبيسة احتلال وإن لم يكن على أرضها فهي محتلة بسياستها وقراراتها العالمية والدولية، سوريا اليوم محتلة من داعش ودول أوروبية، تونس شهدت عاصمتها أمس تفجيرات راح ضحيتها 12 شخصاً، العراق ترزح تحت احتلال أمريكي منذ عشرات السنوات، لبنان عدا عن احتلال القمامة فيها، فهي تعمل بتوجيه سياسي خارجي بحت أي أنها محتلة سياسياً، دول الخليج حدث عنها ولا حرج، فهي الدول التي باعت فلسطين بثمن النفط، وباعت عدالة قضيتنا بوعود أمريكية كاذبة، فأين العرب منّا، هل فقدناهم عنوّة عنهم وعنا؟!.

هل بات الفلسطيني وحده في ميدان الانتفاضة في وجه المحتل الأرعن، وتخلى عنه العرب أجمع، سيعلل البعض أن الشعوب معنا والحكومات العربية ليست معنا، حسناً لنقل ذلك، ولكن خالد وميلود يوم أن قررا تنفيذ عمليتهم في فلسطين، قرروا وحدهم ونفذوا وحدهم، فأين أصحاب القرار الفردي والتنفيذ الفوري اليوم؟!.

هل ننتظر رداً متأخراً على مجازر المحتل فينا منذ احتلاله لنا ليكون الرد موجعاً كعملية الطائرات الشراعية؟، آسف ربما علينا أن نكون أكثر واقعية اليوم، فالعرب ما عادوا معنا، منشغلين في أحوالهم عنا، مبرراتهم ليست إلا حجة عليهم أمامنا ، فلا حجة لهم من التنصل من عدالة قضيتنا، فعدالة القضية يُرخص لها كل ثمن، وها هو الفلسطيني يرى نفسه وحده الثمن، خالد وميلود وكل الأبطال العرب الذين ارتقوا على أرضنا ودفاعاً عن عدالة قضيتنا وحدهم في ذاكرتنا، والبقية غبار.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر شبكة بالعربي الإخبارية